الشيخ الطوسي
357
التبيان في تفسير القرآن
قوله تعالى : " قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " ( 94 ) آية واحدة بلا خلاف . هذه الآية مما احتج الله بتأويلها لنبيه صلى الله عليه وآله على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره ، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم ، لأنه دعاهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم ، كما كان من الخلف الواقع بينهم . فقال لفريق من اليهود : ان كنتم صادقين ان الجنة خالصة لكم دون الناس كلهم ، أو دون محمد وأصحابه الذين آمنوا به فتمنوا الموت ، لان من اعتقد انه من أهل الجنة قطعا ، كان الموت أحب إليه من حياة الدنيا التي فيها النغص ، وأنواع الآلام ، والمشاق ، ومفارقتها إلى نعيم خالص يتخلص به من اذى الدنيا . وقوله : " فتمنوا الموت " - وإن كان صورته صورة الامر - المراد به التوبيخ ، والزام الحجة . وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ، ولرأوا مقاعدهم من النار فقال الله تعالى لهم " ولن يتمنونه ابدا بما قدمت أيديهم " تحقيقا لكذبهم ، فقطع على أنهم لا يظهرون التمني وفي ذلك أعظم الدلالة على صدقه ، لأنه اخبر بشئ قبل كونه ، فكان كما اخبر ، لأنه لا خلاف انهم لم يتمنوا . وقيل إنهم ما تمنوا ، لأنهم علموا انهم لو تمنوا الموت ، لماتوا - كما قاله - فلذلك لم يتمنوه . وهذا قول ابن عباس . وقال غيره : إن الله صرفهم عن اظهار التمني ، ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وآله . أما التمني فهو قول لما كان : ليته لم يكن ، ولما لم يكن ليته كان . وقال قوم : هو معنى في القلب . غير أنه لا خلاف انه ليس من قبل الشهوة . فمن قال من المفسرين : انه أراد فتشهوا ، فقد أخطأ . قد روي عن ابن عباس أنه قال : فاسألوا الموت . وهذا بعيد ،